مدونة الحقائق لكشف الأكاذب

 


صوت الحق

مقالات/ وسـقـط إلــــه التمر

كتبهايحياوي ، في 31 أكتوبر 2008 الساعة: 16:21 م

44بقلم: *حبيب الله ولد احمد
أي فرق بين أن يحكمنا وكيل اعمال للعسكرين وان يحكمنا العسكريون أنفسهم، سؤال يتبادر للذهن في خضم الأحداث الأخيرة المتلاحقة؟، والتي إنتهت بازاحة العسكرين لرجل صنعوا منه رئيسا منتخبا، وساءهم فيما بعد أن يحاول إكتشاف قدرته على الخروج من عباءتهم.
إله التمر
كان الخليفة العادل عمر أبن الخطاب يتحدث دائما عن قصة تضحكه كثيرا عندما كان رجلا جاهليا يصنع إلها من تمر يسجد له صباحا ليأكله في المساء، إله التمر هذه المرة صنعته المؤسسة العسكرية عندنا باستدعائها لسيدي محمد ولد الشيخ عبد الله لإقناعه بالترشح للرئاسة ثم إنجاحه لاحقا، وبطبيعته الحلوة الباردة لم يصمد إله التمر هذه المرة أيضا،فأرتاى الذين صنعوه أن يأكلوه قبل أن يرتد إليه طرفه.
ولطالما صنعت المؤسسة العسكرية في بلادنا رجالا ورؤساء إستخدمتهم لإغراض مختلفة؟، بينما لم يركز أي رجل دولة عندنا بعد المختار ولد داداه على صناعة مؤسسة عسكرية قوية تحمي الدستور والشرعية والحوزة الترابية، ولذلك ظلت المؤسسة العسكرية جزءا منا تحمل أطماعنا وأحلام النفوذ لدينا وأنقساماتنا وبداواتنا، لدرجة أنها لم تستوعب مثلنا،الديمقراطية فكرا وممارسة، غير أنها نجحت في أن تظل منظمة منضبطة متماسكة، وهو ما فشلنا فيه بكل نخبنا وطلائعنا وقوانا الحية، ولأن طبقتنا السياسية لم تقدم ابدا المثال الحسن في تسيير الشأن العام حتى تحت شعارات الديمقراطية، فلم يكن أمام العسكريين إلا التدخل لتصحيح ما يرونه خللا، والخلل في تصور العسكرين ليس هو نفسه بالنسبة لعامة الناس، ربما يكون تهديد رموز المؤسة العسكرية وتعريضها للتمزق والتفكك، والمساس بمصالحها مجموعة إختلالات يقدر العسكريون أنها تستوجب تدخلهم بغض النظرعن طبيعة ذلك التدخل وتداعياته المحلية والخارجية، ومن الأكيد أن إقالة أربعة من كبار الضباط حتى وإن كانت رتبهم شرفية فخرية إكتسبوها مكافأة لهم على إنجاح الرئيس المخلوع ولم ينالوها في جبهات القتال، أو تبعا لإستحقاقات مهنية معتبرة دفعة واحدة يعتبر أمرا خطيرا وخارقا العادة ،وغير مدروس النتائج والتبعات، ورغم ما يشاع من أن الإقالة تمت لحظات بعد سيطرة هؤولاء الضباط على القصر الرئاسي صبيحة السادس من أغسطس،فإن الخطوة بحد ذاتها تعكس سلوكا غبيا من الناحية السياسية والعسكرية، فكيف لنا أن نصدق أن رجلا مدنيا صنعته مجموعة ضباط،يمكن بجرة قلم أن يستغني عن خدماتهم بهذه الطريقة الحمقاء.
قد يقال إنه رئيس منتخب ولديه قوة شرعية ودستورية وجماهيرية،ومن حقه التصرف بالطريقة التي يراها مناسبة،ولكن لماذا لم يستخدم الرئيس كل نفوذه وقوته وصلاحياته لإنقاذ البلاد من أوضاعها المزرية،ولإتخاذ قرارت أكثر نفعا للبلاد والعباد،الم تكن أموال البلاد تذهب في زياراته إلي الخارج رغم المجاعة التي تعصف بالبلاد،من أين لسيدته الأولى بما كدسته من أموال في عام الرمادة هذا،لماذا لم يتخذ قرارا شجاعا في شأن التطبيع مع الكيان الصهيوني،لماذا لم يتعامل بشجاعة وحنكة مع ملفات المبعدين والأرقاء والإرهاب والمخدرات والهجرة السرية.؟
لقد أظهر عجز الرئيس عن التعامل مع كل تلك التحديات التي عصفت بالبلاد في عهده أنه لا يتمتع لا بالشرعية التي يريد البعض أن يلصقها به الآن بعد أن دالت دولته،ولا بالنفوذ ولا بالصلاحيات ولا حتى بالقوة الشخصية.
إنه إله تمر ضعيف الحيلة عاجز عن التحرك حري بأن يزول ويختفي، ولعل اعتراض البعض على إزاحة ولد الشيخ عبد الله أن يكون تصامما وتجاهلا لحقيقة يعرفها الجميع، وهي أن العسكريين هم الذين جاءوا به أصلا،كما أنهم هم الذين أزاحوه الأن،وبالتالي فعودة الشرعية التي يتباكى عليه البعض الأن ليست إلا عودة للعسكريين الذين لولاهم لما كان لدينا رئيس اسمه سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله، صنعوه بالأمس إلها من تمر لياكلوه اليوم بدم بارد.
نحن والعسكر
لقد فشلت الطبقة السياسية عندنا في الاستفادة من الديمقراطية مع تحفظنا على كل أشكال الديمقراطية التي عشناها منذ أيام ولد الطايع، والتي لم تخلو أبدا من بصمات العسكر،وتحول السياسيون فجأة إلي فرق للمصارعة الحرة تتبارى بجنون تحت قباب البرلمان،وخلف يافطات الأحزاب السياسية،ولا فتات المجتمع المدني، ولم تسلم نخبنا المثقفة بكل مسمياتها من عدوى تلك المصارعة، ليبرهن الجميع على أننا لسنا أكثر من مجتمع بدوي تحكمه الولاءات القبلية والجهوية والطائفية، ويكفر كفرا بواحا بالدولة الوطنية المعاصرة، وضعية فتحت الباب على مصراعيه أمام المؤسسة العسكرية لتملأ الفراغ الحاصل في رأس الهرم من حين لأخر عن طريق الانقلابات التي تربت على القيام بها أحيانا لأتفه الأسباب، وحتى في الانقلابات المدنية،فإن العسكريين كانوا هم العقل المدبر لها عن طريق تزوير الانتخابات وشراء الذمم، وغير ذلك من الطرق الانقلابية التي قفزت بولد الشيخ عبدالله إلي الواجهة، ومن قبله ولد الطايع الذي جاء به إنقلاب عسكري، وأبقته سلسلة إنقلابات مدنية قام بها تحت يافطة الديمقراطية إلي أن ذهب رأسه في إنقلاب عسكري قام به رفاقه الأقربون غداة 3 أغسطس 2005 إن العسكريين لم يكتفوا بانجاح ولد الشيخ عبدالله وإدارة شؤون البلاد والعباد من وراء ظهره ومن فوق رأسه،بل سارعوا إلي دخول قبة البرلمان بحثا عن وكلاء جدد يحركونهم في الوقت الذي يرونه مناسبا لتذكير الرئيس الضعيف بأنه لن يفلت من قبضتهم حتى ولو تحت يافطة الشرعية الدستورية،مع أن الجميع يدرك أن الرئيس المخلوع كان مجرد تلميذ منفذ للاوامر الحرفية أنه لا يريد علوا في ألأرض ولا فسادا،ولم تسول له نفسه أبدا الخروج عن دائرة الطاعة العمياء للأوصياء عليه من جنرالات وغيرهم،وبدا أن العسكريين نجحوا في إدارة اللعبة جيدا، فأقترحوا الوزراء وسيروا شؤون البلاد،وأثرى بعضهم ثراء فاحشا في زمن قياسي.
دوامة رهيبة دخلها العسكريون ووكلاء مبيعاتهم من زمرة ولد الشيخ عبدالله وأزلام ولد الطايع،ورموز الفساد،دوامة صراعات هلامية وهمية كلها قنابل صوتية وكر وفر وصراخ،كان الشعب الموريتاني هو ضحيتها الوحيدة،فالمجاعة ومشاكل الصحة والتعليم والماء والعمل والسكن،وحتى الجريمة المنظمة،كانت كلها أمورا تعصف بكل أركان المجتمع المهزوز،مجتمع بلغ به الاحباط حدا لا يمكن تصوره،فأصبح الكفر بالديمقراطية جائزا ،بل ومرحبا به لأنها ديمقراطية جوع وجهل وعطش ومرض،ديمقراطية منحت رقابنا لأسر معدودة وحفنة رجال سيئين،ينهبون كل شيء،ويدمرون الحاضر والمستقبل باسم الديمقراطية.
لقد وصل بنا الاحباط درجة قلنا معها بوضوحلما ذا لا يزيح هؤولاء العسكريون رجلهم هذا، ويجلسون فوقنا مباشرة،ويعملون الحديد والنار في أجسادنا العارية.
لقد دفع بنا اليأس للكفر بهذه الديمقراطية والبحث عن فرعون جديد يسومنا سوء العذاب،بعد أن أقبل السياسيون باسلامييهم المنتفعين، وناصرييهم المنبطحين، وبعثييهم المنخدعين، ويسارييهم المرتدين، على جمع الغنائم والتدافع بالمناكب بحثا عنها.
لنقل إن العسكرين قدر مسلط على أعناقنا وأن لا ثقافة عندهم سوى الانقلابات، ولكنهم مع كل ذلك أفضل منا جميعا سياسيين وتنورين،فلديهم مؤسة منضبطة ومتماسكة، حاربت من أجلنا بشجاعة دفاعا عن حوزتنا الترابية، وحفاظا على أمن بلدنا وأستقراره، ثم إنهم صمام أماننا شئنا ذلك أم أبينا، ولا مجال لحشرهم في دائرة ضيقة، والدخول معهم في مواجهة يقودها متلونون مردوا على النفاق والحرباوية، يرفعون شعارا إنتفاعيا بغيضا هذا حزبي وهذا ولائي فأين الجائزة،وهنا ينبغي أن نتساءل لمصلحة من تتحرك المعارضة الحالية الخارجة لتوها من مستنقع الموالاة الآسن،والتي تشكل كشكولا متنافرا تجمعه مصالح ضيقة عابرة،وتفرقه المصلحة العليا للوطن والأمة،لما ذا لا يعتصم هؤلاء في الشوارع للمطالبة باعادة الرئيس الذي يرونه منتخبا،هل يؤمنون حقا بأن ولد الشيخ عبدالله كان رئيسا شرعيا منتخبا؟
إن المصلحة الوطنية الأن تقتضي- ولنكن واضحين- رفض الانقلاب من حيث هو عمل غير حضاري، ولكن هل ما حدث هو إنقلاب بالمعنى الحقيقي، أم أنه مجرد تغيير أو تصحيح قامت به المؤسسة العسكرية داخل هياكلها واليات حكمها للبلاد، لقد أزاح العسكريون رئيسا هم الذين جاءوا به أصلا وباعترافه هو نفسه، فلماذا كل هذا الصراخ، أليس من الأفضل أن نعيش تحت الأحذية العسكرية الثقيلة مباشرة،بدل العيش تحت رجل مدني عاجز يسيره العسكريون أنفسهم.
إن الخلاصة من كل هذه الأحداث تقول إن بضاعة العسكريين ردت إليهم لا أقل ولا أكثر،ولا مجال هنا للبكاء على نظام لم يكن شرعيا،لأن شرعيته المزعومة هي جزء من شرعية المؤسسة العسكرية، وبالتالي فهي نوع من التباكي على العسكريين الأوصياء على الرئيس المخلوع، ولذلك فمنطق العقل يدعونا إلي القبول بالأمر الواقع،والإلتفاف من -حول هؤلاء العسكرين،بالرغم لا الرضى،أو على الأقل لأن اليد التي لم تستطع أن تقطعها عليك أن تقبلها،فليس من المقبول أن ننفض من حول مؤسستنا العسكرية لمجرد أنها مارست هوايتها وتقليدها العريق في الاطاحة بهذا النظام المدني أوذاك.

———

*صحفي موريتاني

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق

خيــــــر الكلام الصدق في الأقوال         وجمالها الإتمام في الأعــــمال
لا شيء انفع من لسان صـــــــادق       في اليسر أو في احسن الاحوال

صوت الحق